روايات خالدة، الخبز الحافي رواية جريئة عن حياة التشرّد في المغرب


يشكل ادب السيرة الذاتية مصدراً خصباً لفضائح عائلية، لكنه لا يعتبر ادباً جيداً اذا لم يكتب بلغة جيدة ذات فنية عالية. وهذا هو حال رواية "الخبز الحافي" التي كتبها الروائي المغربي محمد شكري اواخر الستينيات ثم اتبعها برواية "الشطار" وبعدها رواية "وجوه" وقد اعتبرت هذه الروايات الثلاث ملخصاً لحياة الكاتب في المغرب رصد فيها صباه وشبابه وكهولته.ولا يخفي محمد شكري انه عبر روايته الخبز الحافي قد انتهك العرف الموروث الذي يرى في وصف التجربة الذاتية قضية اعتبارية تتصل بفعل رمزي هو استرجاع تكون الذات. كتب شكري عن شخصيات عرفها في طنجة المدينة ذات البنية الاجتماعية والثقافية الفسيفسائية حيث عرب وامازيغ واسبان وفرنسيون وسواهم يشكلون بمجملهم نسيجاً خصباً لعالم مترع بالحكايات والاساطير .
ولكنها حكايات حقيقية واساطير واقعية تلك التي خطها محمد شكري في الخبز الحافي حيث انتقد متهكماً الاوضاع السائدة في طنجة وتطوان التي عاشها طفلاً مصادقاً القطط والهوام والمشردين في الشوارع وغيرها من الاماكن التي كان يجد فيها ملاذاً لهروبه من اوضاع معيشية قاسية وعائلية ظالمة.
ولد محمد شكري عام 1935 في قرية الناضور ـ بني شنكر على اطراف تطوان حيث عاش امياً حتى العشرين من عمره، لكنه وبحكم حياة الشارع اتقن "محادثة" الاسبانية والفرنسية ولا يني شكري عن ذكر ذلك في جميع لقاءاته حيث يقول انه عاش امياً من عام 1935 وحتى عام 1955 ويذكر قصة طريفة عن علاقته بالامية عندما كان يبيع السجائر المهربة ولكن لديه حساب توفير في البنك ويقول شكري كنت اوقع بابهامي، اضعه في المحبرة لكي اوقع على الاستمارة التي فيها المبلغ المسحوب وخلال ذلك قام احد الذين كانوا يجلسون معي في المقهى بتعليمي كيف اوقع باسمي او كيف اكتب امضائي، وذهبت ذات صباح الى البنك واعلنت تعلمي فاعطوني بطاقة جديدة ومزقوا القديمة التي فيها نموذج الابهام وكتبت توقيعي لاستخدامه في كل عملية سحب، وبعد ايام رجعت اريد ان اسحب مبلغاً من المال. ملأ الموظف الاستمارة وقال لي وقع، فوقعت، وكنت قد نسيت طريقة الامضاء التي علمني اياها زميلي في المقهى، لكن المحاسب رفض اعطائي اي مبلغ لعدم موافقة التوقيع القديم مع توقيعي الجديد، الا ان مدير البنك قرر اعطائي المبلغ لانه كان يعرفني، ومن حسن حظي ان هذا المدير كان واحداً من زبائني الذين ابيعهم السجائر المهربة.
كانت هذه الحكاية دافعاً قوياً ليتعلم شكري الكتابة والقراءة حيث نشر اول قصة كتبها عام 1966 بعنوان "العنف على الشاطيء" في جريدة العمل المغربية ثم نشر عام 1967 قصة ثانية في الآداب اللبنانية التي مثلت بداية انطلاقته وشهرته.
عاش شكري حياة اجتماعية قاسية فيها الفقر والحرمان والاضطهاد الاجتماعي وسط اسرة لا يعرف من ملامحها سوى ظلم الاب وجهل الام وموت الاشقاء، حياة فيها الكثير من التشرد في تطوان وطنجة وسبتة ومليلة والعرايش ووجدة ووهران في الجزائر.
وضع شكري عدة كتب مثلت اساس تجربته ابرزها وجوه والشطار التي ظهرت باسم اخر هو زمن الاخطاء ثم وضع كتاباً عن بل بولز واخر عن تنسي وليامز في طنجة، وجان جينيه في طنجة وغيرها.. عن الفترة الواقعة بين عامي "1935 ـ 1956" وفي تلك المنطقة المفتوحة دوليا "طنجة" مليلة، سبته.. ينشر محمد شكري روايته الخبز الحافي باللغة الفرنسية ثم الاسبانية والانجليزية ثم العربية ويتحدث عن تلك السنوات القاسية من الحرمان والفقر والجوع والتشرد وهو لا يرصد شخصا بعينه يلبسه خوذة البطل الواقعي، بل يحكي سيرته الخاصة او فضيحته العائلية حيث الوالد المخمور المتسكع القاسي وحيث الاخ المفقود، او المقتول بيد الاب الجلف وحيث الام التي ينتفخ بطنها عاما بعد اخر ويموت اطفالها الواحد تلو الاخر لانعدام الظروف الصحية ولانعدام الرعاية ولغياب الطمانينة..

عن تلك السنوات التي شكلت ملامح البيئة المغربية الحديثة يسرد محمد شكري واقع اسرته المضطرة للسفر من مكان لاخر بحثا عن لقمة العيش وبحثاً عن مأوى، ولم ينس في خضم تلك السيرة ان يصف محيطه الاجتماعي حيث الفقر والقهر والفساد، واشياء مشابهة تسيج ذلك، المجتمع البسيط والذي يعزو كل مصائبه للاقدار، وحين يعي محمد شكري موقعه من ذلك المجتمع ينخرط فيه باحثا عن الطعام والمأوى والملذات الحسية وكلها اشياء متوفرة تحت سقف السرقة والخروج عن القانون، فكان متسولا ثم لصا مبتدئاً، ثم خادما لاسرة ثرية، ثم حمالا.. ثم.. وكلها اعمال وضيعة لم تعطله الفرصة ليتعلم او لينال قسطا من المعرفة لذلك تشير الطبعة الثالثة من رواية "الخبز الحافي" الى انه لم يتعلم القراءة والكتابة حتى العشرين من عمره، فكانت حادثته انجرافاً في عالم البؤس حيث العنف وحده قوت المبدعين اليومي. في مقدمة الطبعة العربية من رواية الخبز الحافي يوضح محمد شكري في كلمته:
"مثل هذه الصفحات عن سيرتي الذاتية، كتبتها منذ عشر سنوات ونشرت ترجمتها بالانجليزية والفرنسية والاسبانية قبل ان تعرف طريقها الى القراء في شكلها الاصلي العربي، لقد علمتني الحياة ان انتظر. تزخر رواية محمد شكري او سيرته الذاتية بذكريات قذرة عن طفولة معذبة، مشتتة، جائعة لكل مقومات الحياة، لذلك فهو عندما يرويها يتذكر ثانية تلك السنوات الضائعة والطائشة التي ذهبت هدرا في الازقة الباردة والمواخير الرخيصة والعراكات الدامية، لكنها هي نفس السنوات التي لعبت دورا مهما في تفتح ذهن محمد شكري وتكوين وعيه المستقبلي ليحتمل فجيعة الاخ الذي قتله الاب في لحظة غضب، والام الحنونة بائعة الخضار، والاخت اليافعة التي نشأت في نفس المحيط، وليتحمل في الوقت ذاته خيبة امل جيله المصدوم بتجارب رخيصة في بناء الشخصية واستعادة المجد المفقود وليس تشرد محمد شكري في الأزقة الا دليلاً على انكسار جيل بأكمله وذوبان احلامه في مستنقع الشعارات البراقة التي تورث الحقد والضغينة ولا تقدم بديلاً يستحق التضحية، وهو حين يتحدث عن ذلك العالم يتحدث بهمة العارف الخبير الذي عاش كل فصل بل كل سطر من تلك السيرة دون تدخلات فنية لمتعة النص أو لاعطائه شكلاً مقبولاً، بالعكس فقد جاء قاسياً مليئاً بالثغرات الاجتماعية، خاصة عندما يتمحور الحديث عن بيع الجسد أو عن السرقة لاجل العيش وهل هناك صدمة توازي موت اسرة من الجوع؟!
لم يكن العالم الذي تحدث عنه عالماً خيالياً بل عالم واقعي اقتطعه محمد شكري من مخيلته ليقدمه في هذا الجزء من السيرة الذاتية الروائية المعنون بالخبز الحافي وليلحقه بجزء اخر بعد عدة سنوات يستكمل به تلك السيرة مطلقاً عليه "الشطار" هما روايتان جديدتان من حيث الجرأة ومن حيث القوة التأثيرية، فهنا يكون للقص طعم الصراحة والتميز في مجتمعات تمارس السرية المطلقة في حياتها وتلف تاريخ اشخاصها بالكتمان يعبر محمد شكري في رائعته الخبز الحافي عن عالم الخوف ويقدم سيرته المفضلة بقضها وقضيضها مثلما يقدم درساً في القوة والعلنية ـ لماذا يخجل الانسان من افعاله بل ما هو مخجل اكثر من بيع الانسان لجسده كي يأكل؟!
توقف محمد شكري عن الكتابة بين عامي 1973 و1992 لظروف حياتية خاصة لكنه يقول انه كتب اربع قصص قصيرة لم ينشرها ويعمل حالياً على كتاب عن سيرته في طنجة ويعيش منذ عام 1970 داخل شقة خاصة فيه ولكنه عندما يكتب فانه يختار فندقاً قديماً في احياء عريقة لعدة ايام ثم يعود الى شقته.
إعداد ـ رباب محمد

Source : Albayane

الأثنين 2 ربيع الاخر 1424هـ - 2 يونيو 2003 -العدد 265