فاظمة اختارت الموت البطيء بعينين دامعتين، تقف فاظمة قرب شرفة الملجأ الخيرية وهي ترقب المجهول، فمنذ أن فقدت هذه السيدة ابنها قبل أسبوع وهي تشعر أنها أضحت يتيمة ووحيدة في هذا العالم، فعلى الأقل كان هذا الإبن يواظب على زيارتها في الأعياد والمناسبات الإجتماعية، أما ابنتها الأخرى فمن الواضح أنها لاترغب في تذكر أن لديها أما لا تزال على قيد الحياة. قبل أكثر من سنة من الآن، غادرت فاظمة قريتها تمسمان لتلج هذا الملجأ بعد أن استحالت حياتها إلى جانب أسرتها، لا أحد يعرف السبب مادامت فاظمة تصر على أن تستعين بالصمت للإجابة على تساؤلات الفضوليين حول دوافع قدومها إلى هذا المكان. وقوفها في الشرفة كان يحمل أكثر من دلالة، ودموعها كانت فيها أكثر من معنى، فقد أدركت أنها منذ الآن أصبحت وحيدة في هذا العالم الفسيح، وأن لا أحد سيهتم بأمر السؤال عنها، بعد أن رحل عن هذه الدنيا الخيط الرقيق الذي كان يمنحها الإحساس بأنها موجودة، ويعيد إليها بين الفينة والأخرى إنسانيتها المهدورة. يؤكد المسؤولون على هذا الملجأ أن فاظمة منذ أن علمت بوفاة إبنها بعد معاناة طويلة مع الفشل الكلوي، وهي فاقدة لكل رغبة لها في الحياة. توقفت عن الكلام وامتنعت عن تناول الطعام المقدم لها، وأصبحت تقضي معظم ساعات اليوم وحيدة. كان واضحا أن المرأة تمارس حدادها بطريقتها الخاصة، وأنها اختارت الموت البطيء بعدما لم يعد لحياتها من معنى. فاظمة ... الآنسة العجوز عيناها الزرقاوان وملامحها الدقيقة تكشف عن بقايا جمال غابر، ورغم ذلك فهذه المرأة التي تبلغ حاليا من العمر سبعة وخمسين سنة هي أول من سكن هذا الملجأ قبل أكثر من ست سنوات، أي مباشرة بعد افتتاح مؤسسة التعاون الوطني لدار العجزة بمدينة الحسيمة. لم يسبق لفاظمة أرشاش الزواج، وبعد وفاة والديها وجدت نفسها وحيدة في هذه الدنيا دون أشقاء، فحملها أبناء قريتها إيرغمان إلى هذا المركز، بعد أن أصبح من غير الممكن أن تظل فاظمة وحيدة في منزل العائلة. ورغم أقدمية تواجدها بالمكان، إلا أن فاظمة تشكو بدورها من وحدة قاتلة، وتذرف الدموع بغزارة فور تذكرها للوعة الإنتظار القاتل لزائر لا يأتي أبدا. تؤكد فاظمة أن معظم النزيلات يعانين من اضطرابات نفسية أو من الخرف بفعل عامل السن، ومن ثم فلا مجال للإختلاط معهن، وتفضل المكوث في غرفتها على أن تجاذبهم أطراف الحديث. تسليتها الوحيدة باتت هي الخروج بين الفينة والأخرى خارج هذه الجدران من أجل الترويح عن النفس، إلا أنه بعد كارثة الزلزال، والإضطراب الكبير الذي أصبحت تعرفه مدينة الحسيمة، فلم يعد مجال للخروج بعد الآن. رعب حقيقي تعيشه هذه المرأة كلما شعرت بالهزات

Alahdath 20/11/2004